أين اختفت المبرمجات؟

تمهيد

لا يخفى على أحد يعمل في مجال البرمجة خاصة أو تكنولوجيا المعلومات Information Technology عامة ، الانخفاض المستمر في أعداد الإناث في هذا المجال مقارنة بأعداد الذكور … للدرجة التي جعلت الجميع يتصور أن هذه المهنة تناسب الذكور أكثر … وهذه الظاهرة ليست قاصرة فقط على دول بعينها ، ولكنها ظاهرة عالمية يمكن ملاحظتها تقريباً في كل مكان.

في الشركات التي عملت بها سواءً في مصر أو في هولندا ، أو الدول الأخرى التي عملت مع شركاتها عن بعد remotely … يمكنني أن أتنبأ بأن أكثر من ٩٠٪ من العاملين في هذا المجال هم ذكور. ونفس ذلك التقدير تراه جلياً في المؤتمرات العالمية مثل AWS Summit أو Microsoft Ignite أو غيرهم ، فقط ملاحظة سريعة على الحاضرين في أي من المحاضرات التقنية ستعطيك انطباع حقيقي عن حجم الاختلاف الشاسع بين أعداد الذكور والإناث.

يدخل أيضاً في هذه الملاحظة أعداد المنسحبات من هذه المهنة … لقد عملت في مرات كثيرة مع مبرمجين ذكور أعمارهم أكبر من ٤٥ عاماً ، لكن لم أقابل أي مبرمجة أنثى تخطت ال٤٠ ، لا في مصر ولا خارجها … وقد لاحظت أيضاً أن الكثيرات يفضلن تغيير مسار عملهن إلى مسارات أخرى قد تكون قريبة نوعاً ما مثل Scrum Master أو بعيدة كل البعد مثل المحاسبة!

أنا هنا لا أتحدث عن صناعة البرمجيات ككل ، ولكن أخص حرفة البرمجة ومن يمتهنونها ، المبرمجين اللذين يدخل كتابة الكود جزءاً أساسياً من يومهم ومسؤولياتهم الوظيفية ، أولئك الغارقون في التأمل يبحثون عن عالم أفضل. هؤلاء ، وأنا منهم ، هم من أكتب عنهم.

مناقشات

أجريت عدة مناقشات مع زملاء الكار والعاملين في المجال للوقوف على ملاحظاتهم حول هذا الشأن ، وقد تباينت الأراء كثيراً وفقاً للخلفيات الاجتماعية والثقافية وكذلك الدينية ، فكل تقريباً الزملاء من الشرق الأوسط يرى أن ذلك راجع إلى الاختلافات الطبيعية والتشريحية والجينية بين الذكور والإناث ، فالذكور لديهم قدرة أعلى على العمل تحت الضغط ولفترات طويلة قد تصل لأسابيع متصلة مع مواصلة الليل بالنهار ، وهذه الأخيرة تحديداً كانت سبباً رئيسياً لكثير من أصحاب العمل ولا سيما الناشئة منها startups لتفضيل الذكور على الإناث.

وأيضاً يرى هؤلاء أن فرق العمل تكون في حالة انسجام أكثر عندما تكون كلها من الذكور ، فمثلاً يمكن في حالات الضرورة الاحتدام في المناقشات الفنية ، وهو ما لا يمكن حدوثه في وجود إناث لأنهن سيشرعن في البكاء عند علو الأصوات وتوجيه الاتهامات. ربما هذا أيضاً يدفع الإناث بعيدا عن هذا المجال كرههن للمنافسات والتحديات “الذكورية” Alpha-male أو على الأقل منافسات الأفضلية في الفريق ومن الأكثر اطلاعاً ومتابعة للجديد في هذا المجال سريع التغير.

أما زملاء الغرب وتحديداً هولندا ، فإنهم يستشعرون الحرج من مناقشة هذا الموضوع ، ربما لا يريدون أن يظهروا كعنصريين ضد الجنس الآخر sexist ، أو لعدم توافر المعرفة الكافية بالموضوع وأبعاده … لكنهم بلا شك يدركون حجم البين وكذا يرون أنه يجب تشجيع الإناث ولا سيما صغاراً على الخوض في تعلم البرمجة واحترافها وامتهانها.

سابق

كان رأيي الشخصي ، ربما راجعاً لنشأتي ، يتفق إلى حد كبير مع رأي زملاء الوطن … فكنت دائماً أرى أن الإناث يحتجن إلى معاملة خاصة داخل الفريق والشركة ، ولا سيما مع تغير الهرومونات والمود مداً وجذراً خلال الشهر ، وما لهذا من تأثير على الجميع … الغريب أني لم ألاحظ ذلك كثيراً هنا في هولندا ، ربما تنشئة الإناث في الشرق الأوسط له يد في ذلك.

وكنت أيضاً أرى أن الإناث ليس لديهن القدرة والطاقة العقلية للعمل على المهام شديدة الصعوبة والتعقيد ، لا أقصد أبداً هنا أن الذكور أذكى من الإناث ، مطلقاً هذا ليس رأيي ، ولكن فقط في الحالات الذهنية الصعبة والمعقدة والطويلة ، تكون للذكور الأفضلية … وكان رأيي أيضاً أن هذا أهم أسباب انسحاب الإناث من هذا المجال ، فهن يفضلن ، وكذا كثير من الذكور ، في العمل في مهن ذات تحديات أقل وذات روتين وإيقاع ثابت ، ولا تتطلب القراءة والمذاكرة والاطلاع المستمر في المجال والتجديد والتحديث إلخ.

ويتفق مع رأيي هذا “السيدة” الدكتورة في علم النفس العصبي Louann Brizendine … في كتابها The Female Brain ، تقول أن الجزء من المخ المسؤول عن الاستماع والاستقبال والتذكر والكلام ، يكون أكبر حجماً في الإناث بمعدل الضعف تقريباً عن الذكور ، وهذا يفسر قدرتهن على التذكر الجيد وكذا سماع طبقات صوتية تمكنهن مثلاً من إدراك حاجة الرضيع للنظافة أو الأكل دون أن يتكلم ، وأيضاً قدرتهن على الكلام وتكوين علاقات اجتماعية أفضل من الذكور ومالهذا من أهمية في بناء المجتمعات ، ولهذا الأخير فالإناث لا يفضلن الأعمال التي تطلب عزلة طويلة بعيداً عن تواصل بشري مثلما يحدث في البرمجة في بعض الأوقات.

أما الذكور عكس الإناث ، فالدكتورة تقول أن الجزء من المخ المسؤول عن التحليل والتخطيط ولاسيما الاستراتيجي طويل الأمد ، يكون هذا الجزء من المخ أكبر في الذكور بمعدل الضعف تقريباً ، وهو ما يفسر قدرة الذكور في العمل على مهام مجهدة عصبياً وذهنياً لفترات طويلة ، لا سيما تلك التي تتطلب تفكير عقلاني منطقي فقط دون الخوض في المشاعر.

لاحق

رأيي السابق كنت أحتفظ به لنفسي معظم الوقت ، من ناحية حتى لا أتسبب في أحتقانات وجدالات أنا في غنى عنها ولا طائل من ورائها ، ومن ناحية أخرى لأني ما زلت غير مقتنع ١٠٠٪ بهذه الأسباب … إذن قررت ترك باب البحث مفتوحاً حتى يتضح لي المزيد.

لم أندهش عندما وجدت أن رأيي السابق يشاطرني فيه الكثيرون ممن تعرض منهم لهذه المسألة فيما يخص مهنة البرمجة … هذا الرأي له وجاهته وقوته ولكنه لم يتمكن من الإجابة على العديد من التساؤلات المشروعة:

  • إن كانت الاختلافات الطبيعية والجينية بين الجنسين هي السبب في ندرة أعداد المبرمجات ، فماذا يفسر إذاً أعداد المبرمجات في دول مثل الهند حيث يبلغن في أماكن كثيرة ٥٠٪ من المبرمجين؟
  • في فترة الخمسينات والستينات ، كان الاعتقاد السائد أن البرمجة مهنة للإناث … كانت البرمجة وقتها صعبة فلا لوحات ولا شاشات ، فقط شرائط ورقية مثقوبة يتم إدخالها في الحاسبات العملاقة المعزولة في غرف مكيفة ، وعند حدوث خطأ ، على المبرمجة أن تقرأ التعليمات البرمجية وتتوقع بنفسها السبب ، ثم تعيد العملية مرة تلو الأخرى … الإناث كن يقمن بهذا وأكثر ، وبعضهن لهن فضل على البرمجة بل البشرية جمعاء. الجينات لا يمكنها تفسير هذا التغير بين الأجيال.
  • في السنوات الأخيرة قام العديد من الباحثين بأبحاث أكثر تعقيداً على المخ البشري والاختلافات فيه بين الجنسين ، ولا سيما مع تطور العلم وأدواته … خلص الكثيرون نتيجة هذه الأبحاث أن تطور المخ البشري يخضع بشكل كبير للعوامل الاجتماعية والمتطلبات الفردية ، فالمخ يمكنه التكيف والتطور بأشكال متعددة حسب الحاجة ، ليس فقط وفق جنس الإنسان.

وبالإضافة لما سلف ، فالإجابة بأن الجينات هي السبب تعتبر إجابة كسولة سهلة ، تغلق الباب أمام أي نقاشات أو أبحاث … وهو عكس ما يحتاجه هذا الموضوع ، إذ يجب تسليط الأضواء أكثر عليه ودراسته من جوانبه المختلفة.

الكاتب والصحفي Clive Thompson في كتابه الشيق القيم Coders ، ناقش في جزء كبير منه هذا الموضوع … ولمح أن النشأة الاجتماعية لها دور مهم ، فبلدان شرق ووسط أسيا مثل الهند يشجعون بناتهن على الخوض في هذا المجال ، والمجتمع ككل يتقبل هذا بشكل جيد ، على عكس مجتمعات أخرى كثيرة مثل المجتمع الأمريكي ، حيث يحصل الأولاد في أعياد ميلادهم على كمبيوترات بينما تحصل الفتيات على عرائس ، هذا غير نظرة الأقران السيئة بين البنات تجاه المهووسات بالبرمجة والتكنولوجيا geeks ، وغيرها من فروقات جنسية اجتماعية.

وفي مجتمعاتنا الشرقية ، يتم تنشئة البنات أن مآلهن إلى بيت الزوجية وأن هذا هو دورهن وهدفهن في الحياة ، غير الكثير من الأعراف والتقاليد الأخرى … وكل هذا بالطبع يؤثر على تطور شخص وعقل الأنثى واختياراتها وادراكها الواعي واللاواعي ومن ثم قراراتها في الحياة.

الشركات التي تفضل الذكور لأن لديهم قابلية أكبر على العمل لساعات أطول ، وأحيانا كثيرة ما تفتعله من ضغط عمل مستمر وما يستتبعه ذلك من اختلال في توازن الحياة والعمل لدى الموظفين ، هذه الشركات سبب هام لهذه المشكلة التي نحن بصددها الآن.

هذه الشركات في الحقيقة بيئات عمل غير مستدامة unsustainable ، وسيحدث إن آجلاً أو عاجلاً هروب العمالة من هذه الشركات ولا سيما العمالة الماهرة وفي القطاعات ذات المرتبات المرتفعة مثل البرمجة ، ومن ثم خسارة هذه الشركات وخروجها من السوق تباعاً.

الخلاصة

الموضوع جل وكبير ، حاولت قدر استطاعتي تلخيصه وتسليط الضوء على أهم جوانبه وأبعاده … ومع اجتهادي فيه وحرصي ، يبقى احتمال خطأي قائماً ، فكلي ترحاب بمن يخالفني أو بمن يريد تعليمي وتصويبي.

وتبق الإجابة على السؤال: “أين ذهبت المبرمجات؟” مرهونة بالمجتمع والأسرة والفرد ، وكلي خوف أن تكون أسئلة أخرى من هذا النوع مطروحة بالفعل دون إجابات أو تصحيح … أعتقد أن كافة المجالات بشكل وبأخر تستحق دراسة مشابهة ، ولكن هذا مجالي وهو ما أعرفه.

ادعموهم وشجعوهم … أو على الأقل دعوهن يخترن ، فقط قفوا على الحياد وتأملوا.

#include
Scott Hanselman

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: